Skip to main content

Syrian British Academic Association (SBAA)

من دمشق إلى المحاكم الدولية: أي نموذج قضائي تحتاجه سوريا لتحقيق العدالة؟

SBAA Blog (760 x 508 px)
من دمشق إلى المحاكم الدولية: أي نموذج قضائي تحتاجه سوريا لتحقيق العدالة؟

من دمشق إلى المحاكم الدولية

أي نموذج قضائي تحتاجه سوريا لتحقيق العدالة؟

مقدمة

منذ اندلاع الاحتجاجات في سوريا في مارس/آذار 2011، ثم تَحوُّل الأزمة تدريجيًا إلى نزاع مسلح معقد متعدد الأطراف، دخلت البلاد في واحدة من أكثر الأزمات القانونية والإنسانية تعقيدًا في المنطقة خلال العقود الأخيرة. وعلى امتداد سنوات النزاع، وثقت جهات أممية ودولية أنماطًا واسعة من الانتهاكات التي قد يرقى بعضها، بحسب ظروف كل واقعة والأدلة المتعلقة بها، إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية وغيرها من الجرائم الخطيرة في القانون الدولي. وقد شملت هذه الوقائع القتل غير المشروع، والتعذيب، والاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي، والهجمات ضد المدنيين، وغيرها من الانتهاكات المنسوبة إلى أطراف متعددة في النزاع.

ومع امتداد الأزمة لسنوات طويلة، لم تعد مسألة العدالة في سوريا مرتبطة بوقائع منفردة يمكن التعامل معها من خلال النظام الجنائي التقليدي وحده، بل أصبحت أمام الدولة والمجتمع السوريين كتلة ضخمة ومعقدة من الملفات الجنائية: آلاف الضحايا، ومتهمون من مستويات مختلفة من المسؤولية، ووثائق وأدلة منتشرة داخل سوريا وخارجها، ومشتبه بهم يوجد بعضهم داخل البلاد بينما يقيم آخرون في دول مختلفة، إلى جانب ملفات تتداخل فيها قواعد القانون الجنائي السوري مع القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي.

ولهذا، فإن السؤال القانوني في المرحلة السورية الجديدة لم يعد: هل يجب أن تكون هناك محاسبة؟ بل أصبح السؤال الأكثر تعقيدًا: من يملك الاختصاص بالمحاكمة؟ وأمام أي محكمة؟ ووفق أي قانون؟

وهذه الأسئلة ليست شكلية. فاختيار المحكمة المختصة، والقانون الواجب التطبيق، وطبيعة الجريمة، ومكان وقوعها، وجنسية المتهم والضحية، ومكان وجود المتهم حاليًا، وإمكانية تسليمه، كلها عوامل قد تحدد المسار القضائي لكل قضية بصورة مختلفة.

ومن الناحية القانونية، تنطلق أي منظومة سليمة للمساءلة من قاعدة أساسية هي أن القضاء الوطني هو صاحب الاختصاص الأصيل في الجرائم التي تقع على إقليم الدولة. ولذلك فإن المحاكم السورية يجب أن تمثل نقطة البداية والمركز الرئيسي لأي منظومة للعدالة الجنائية في سوريا، متى توافرت فيها شروط الاستقلال والحياد والقدرة على إجراء محاكمات حقيقية وعادلة.

ولا يتعارض هذا المبدأ مع القانون الجنائي الدولي، بل يتوافق معه. فنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يقوم على مبدأ التكامل، الذي يجعل المحاكم الوطنية صاحبة المسؤولية الأساسية عن التحقيق في الجرائم الدولية ومحاكمة مرتكبيها، بينما يكون دور المحكمة الجنائية الدولية مكملاً ضمن الحدود والشروط التي يحددها النظام الأساسي.

وبذلك، فإن بناء عدالة جنائية سورية قوية لا يعني الابتعاد عن القانون الدولي، بل يعني تطبيق أحد أهم مبادئه: أن تتحمل الدولة بنفسها المسؤولية الأولى عن محاكمة الجرائم المرتكبة على أراضيها، عندما تكون قادرة فعلًا على القيام بذلك باستقلال ونزاهة.

غير أن خصوصية الحالة السورية تجعل الاعتماد على مسار قضائي واحد أمرًا غير واقعي. فبعض المتهمين موجودون داخل سوريا ويمكن إخضاعهم لاختصاص المحاكم الوطنية. وبعضهم يوجد خارج البلاد وقد يخضع لقواعد التسليم أو للملاحقة القضائية في الدولة التي يقيم فيها. وبعض الجرائم تمتد عناصرها أو آثارها إلى أكثر من دولة. كما أن بعض الملفات قد تكون شديدة التعقيد بحيث تتطلب خبرة متخصصة في جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الأدلة الرقمية أو مسؤولية القيادة العسكرية.

ومن هنا تظهر الحاجة إلى تصور منظومة متعددة المستويات للمساءلة، تكون المحاكم السورية في مركزها، وتحيط بها مسارات أخرى مكملة عند الضرورة: دوائر وطنية متخصصة، أو محاكم هجينة أو مختلطة، أو تعاون قضائي مع المحاكم الأجنبية، أو استخدام الولاية القضائية العالمية، إضافة إلى الاستفادة من الآليات الدولية المتخصصة في حفظ الأدلة وإعداد الملفات.

وقد بدأت بنية دولية كاملة تتشكل حول الملف السوري منذ سنوات. ففي ديسمبر/كانون الأول 2016 أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا IIIM لمساعدة التحقيقات والمحاكمات المتعلقة بأخطر الجرائم المرتكبة في سوريا منذ مارس/آذار 2011. وهذه الآلية لا تمثل محكمة مستقلة تصدر أحكامًا، وإنما تجمع الأدلة وتحفظها وتحللها وتُعد ملفات يمكن استخدامها أمام الجهات القضائية التي تمتلك الاختصاص.

وتكتسب هذه المسألة أهمية متزايدة في المرحلة الحالية، لأن انتقال سوريا إلى مرحلة جديدة يفتح للمرة الأولى بصورة أوسع إمكانية الجمع بين الأدلة التي جُمعت خلال سنوات النزاع وبين القضاء السوري داخل البلاد. وقد أعلنت الآلية الدولية بالفعل عن تنفيذ أول عملية لجمع الأدلة داخل سوريا في فبراير/شباط 2026، في تطور يعكس تغير طبيعة العلاقة بين جهود المساءلة الدولية وإمكانات العدالة داخل سوريا.

وهذا التحول يجب ألا يُفهم باعتباره انتقال العدالة من الخارج إلى الداخل بصورة فجائية، بل باعتباره فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين المستويين الوطني والدولي. فالهدف النهائي يجب أن يكون بناء نظام يستطيع فيه القضاء السوري أن يتولى العدد الأكبر من القضايا، بينما تقدم المؤسسات الدولية والخبرات الأجنبية الدعم في المجالات التي تحتاجها سوريا خلال المرحلة الانتقالية.

بين القانون السوري والقانون الدولي

من الضروري هنا التمييز بين مستويين قانونيين متكاملين. المستوى الأول هو القانون الجنائي السوري، الذي يمثل الأساس المباشر لاختصاص المحاكم الوطنية، ويحدد الجرائم والعقوبات والإجراءات الجنائية وضمانات المحاكمة.

أما المستوى الثاني فهو القانون الدولي، وخاصة القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، الذي يتعامل مع فئات محددة من الجرائم ذات الخطورة الاستثنائية، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

وهنا تظهر إحدى أهم القضايا القانونية التي ينبغي التعامل معها بعناية: ليس كل انتهاك لحقوق الإنسان جريمة حرب، وليس كل جريمة ارتُكبت خلال النزاع تصبح تلقائيًا جريمة ضد الإنسانية. فلكل وصف قانوني عناصر يجب على الادعاء إثباتها أمام المحكمة.

فجريمة الحرب تتطلب، من بين عناصر أخرى، وجود الصلة اللازمة بنزاع مسلح، بينما تتطلب الجريمة ضد الإنسانية إثبات وقوع فعل من الأفعال المحددة قانونًا في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين، مع توافر العناصر الأخرى المطلوبة قانونًا. ولذلك فإن العدالة الجنائية لا يمكن أن تقوم على التصنيف السياسي للأشخاص، وإنما على التكييف القانوني لكل واقعة وإثبات المسؤولية الجنائية الفردية عنها. وهذه القاعدة جوهرية للحالة السورية.

فالشخص لا يُحاكم لأنه كان مسؤولًا في النظام السابق، أو لأنه كان عنصرًا في جهاز أمني، أو لأنه انتمى إلى فصيل مسلح أو جماعة سياسية. وإنما يُحاكم عندما توجد أدلة تثبت مسؤوليته الشخصية عن فعل يجرمه القانون.

وبالمقابل، فإن الموقع الرسمي أو العسكري لا يجب أن يكون وسيلة للإفلات من المحاسبة إذا ثبتت المسؤولية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمسؤولية القيادة أو إصدار الأوامر أو المساهمة في سياسات أو ممارسات إجرامية وفق المعايير القانونية المنطبقة.

لماذا يجب أن تكون الأولوية للمحاكم السورية؟

هناك سبب قانوني، وسبب مؤسسي، وسبب اجتماعي. قانونيًا، سوريا هي الدولة التي وقعت الجرائم على أراضيها في معظم الحالات، وبالتالي فإن مبدأ الاختصاص الإقليمي يمنح القضاء السوري أساسًا مباشرًا لممارسة ولايته.

ومؤسسيًا، لا يمكن بناء دولة قانون حديثة إذا ظلت أخطر الجرائم التي وقعت في تاريخ البلاد تُحاكم بصورة أساسية أمام محاكم دول أخرى.

أما اجتماعيًا، فإن العدالة الانتقالية لا تهدف فقط إلى إصدار أحكام بالسجن، بل إلى إعادة بناء ثقة السوريين بمؤسسات الدولة. ولهذا فإن رؤية محاكم سورية مستقلة تحقق في الجرائم، وتستمع إلى الضحايا، وتحاكم المتهمين وفق إجراءات علنية وعادلة، تحمل أثرًا مختلفًا تمامًا على المجتمع.

لكن الأولوية الوطنية لا تعني الاحتكار المطلق للاختصاص. فإذا كان المتهم في دولة أخرى وتعذر تسليمه إلى سوريا، وكانت تلك الدولة تملك اختصاصًا قانونيًا بمحاكمته، فمن الأفضل أن تتم المحاكمة هناك على أن يفلت المتهم من العدالة. وإذا احتاج القضاء السوري إلى خبرات فنية وقانونية دولية لمعالجة ملفات شديدة التعقيد، فلا يوجد ما يمنع من الاستفادة من هذه الخبرات ضمن دوائر وطنية أو، إذا اقتضت الحاجة، ضمن نموذج قضائي مختلط.

والتجارب المقارنة تقدم أمثلة مهمة على ذلك. ففي البوسنة والهرسك جرى الجمع بين القضاء الدولي والمحاكم الوطنية، مع إنشاء غرفة متخصصة بجرائم الحرب داخل النظام القضائي الوطني ودعم دولي في مراحلها الأولى. وفي سيراليون أُنشئت محكمة خاصة ذات طابع مختلط ركزت على الأشخاص الذين يتحملون المسؤولية الأكبر عن الجرائم الجسيمة. أما كمبوديا فاعتمدت نموذج دوائر خاصة داخل النظام القضائي الوطني شارك فيها قضاة وطنيون ودوليون. وتقدم كوسوفو مثالًا آخر مهمًا على أن آليات المساءلة لا ينبغي أن تقتصر على الطرف الذي خسر الصراع، بل يمكن أن تطال أشخاصًا من القوى التي خرجت منه في موقع سياسي أقوى عندما توجد اتهامات بارتكاب جرائم جسيمة.

وهذه التجارب لا تقدم لسوريا نموذجًا جاهزًا، لكنها تؤكد حقيقة واحدة: يمكن الجمع بين الملكية الوطنية للعدالة وبين الخبرة الدولية دون أن يفقد القضاء الوطني دوره المركزي.

ومن هنا يمكن بناء النموذج السوري على قاعدة واضحة: القضاء السوري أولًا، القضاء المتخصص عند الحاجة، القضاء المختلط عند الضرورة، القضاء الأجنبي عندما يتعذر الوصول إلى المتهم، والقضاء الدولي ضمن حدود اختصاصه القانونية.

وما يربط جميع هذه المسارات يجب أن يكون مبدأ واحدًا: لا إفلات من العقاب، ولا محاكمة بلا دليل، ولا تمييز بين المتهمين وفق انتماءاتهم، ولا عدالة حقيقية من دون قضاء مستقل ومحاكمة عادلة.

خاتمة

وبهذا المعنى، فإن بناء منظومة المحاكمات في سوريا لا يمثل ملفًا قانونيًا منفصلًا عن بناء الدولة الجديدة؛ بل هو جزء من عملية بناء الدولة نفسها. فالدولة التي تستطيع أن تحاكم أخطر الجرائم وفق القانون، وأن تمنح الضحية حقها والمتهم ضماناته، وأن تطبق القانون على الضعيف والقوي وعلى المنتصر والمهزوم بالمعايير نفسها، هي الدولة التي تبدأ فعلًا الانتقال من منطق الصراع إلى منطق المؤسسات وسيادة القانون.

المؤلف
الدكتور عمار بجبوج
Dr. Ammar Bajbouj
رئيس لجنة الاتصال والعلاقات العامة في الجمعية الأكاديمية السورية البريطانية، وأستاذ زائر في كلية الدراسات المتقدمة بجامعة لندن، وله خبرة أكاديمية وبحثية في القانون الدولي، والعدالة الانتقالية، والمساءلة عن جرائم الحرب، مع تركيز خاص على السياق السوري.
Head of the Communications and Public Relations Committee at the Syrian British Academic Association and Visiting Professor at the School of Advanced Study, University of London, with academic and research expertise in International Law, Transitional Justice, and Accountability for War Crimes, with a particular focus on the Syrian context.