التضليل الإعلامي وتشكيل الوعي العام في مراحل التحول السياسي
July 21, 2026 2026-08-29 11:46التضليل الإعلامي وتشكيل الوعي العام في مراحل التحول السياسي

التضليل الإعلامي وتشكيل الوعي العام في مراحل التحول السياسي
مقدمة
لا تقتصر التحولات السياسية الكبرى على تغيير الحكومات أو إعادة بناء مؤسسات الدولة، بل تصاحبها عادةً عمليةٌ أعمق لإعادة تعريف الواقع وصياغة المعاني التي يفهم المجتمع من خلالها ذاته وماضيه ومستقبله. ففي اللحظات الانتقالية، تتعدد القوى التي تسعى إلى تقديم تفسيرها الخاص للأحداث، وتتنافس على تحديد المسؤوليات، وتعريف المخاطر، وترتيب الأولويات، ورسم صورة المستقبل. ولذلك، فإن الصراع السياسي في هذه المراحل يتحول جزئياً إلى صراع على الوعي العام وعلى السرديات التي ستصبح أكثر قبولاً وانتشاراً داخل المجتمع.
تتزايد خطورة هذا الصراع عندما تضعف المؤسسات وتتراجع الثقة بالإعلام وتتسارع الأحداث بما يفوق قدرة الجهات الرسمية والمهنية على تقديم معلومات دقيقة. وفي ظل ذلك، تصبح الشائعات والمعلومات المضلِّلة أكثر انتشاراً وتأثيراً. فالناس لا يتفاعلون مع الواقع مباشرةً، بل مع تصوراتهم عنه، أي مع الصور والتفسيرات التي تصل إليهم عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل ومحيطهم الاجتماعي. وقد أشار والتر ليبمان مبكراً إلى أن الأفراد يتخذون مواقفهم استناداً إلى “الصور الموجودة في أذهانهم” عن العالم، لا استناداً إلى العالم في تعقيده الكامل (Lippmann, 1922).
ستناقش هذه الدراسة العلاقة بين التضليل الإعلامي وتشكيل الوعي العام في مراحل التحول السياسي، مستعينةً بدراسات حالةٍ دوليةٍ، قبل الانتقال إلى تحليل بعض مظاهر الاضطراب المعلوماتي في سوريا بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.
الاضطراب المعلوماتي: تحديد المفاهيم
يميز واردل ودراخشان بين ثلاثة أنماط رئيسة مما يطلقان عليه “اضطراب المعلومات” (Information Disorder). النمط الأول هو المعلومات الخاطئة (Misinformation)، ويقصد بها المعلومات غير الصحيحة التي يتداولها الأفراد من دون نية خداع. فقد يشارك شخص خبراً كاذباً لأنه يعتقد صحته أو لأنه تلقاه من شخص يثق به.
أما “التضليل الإعلامي” (Disinformation)، فيشير إلى إنتاج معلومات كاذبة أو مضللة ونشرها قصداً بهدف التأثير في مواقف الجمهور أو إرباكه أو دفعه إلى سلوك معين. ولا يشترط أن يكون المحتوى المضلل مختلقاً بالكامل، فقد يجمع بين بعض الحقائق والادعاءات الكاذبة.
ويتمثل النمط الثالث في المعلومات الضارة أو المستخدمة تضليلاً (Malinformation)، وهي معلومات صحيحة من حيث الأصل، لكنها تُستخدم خارج سياقها (من حيث المكان أو الزمان) أو تُنتقى عمداً لإلحاق الضرر بأشخاص أو جماعات، أو لتكوين انطباع يخالف معنى الواقعة الكامل (Wardle & Derakhshan, 2017).
يوضح هذا التمييز أن المشكلة لا تقتصر على الفصل البسيط بين “الخبر الصحيح” و”الخبر الكاذب”. فقد يكون الفيديو حقيقياً لكن تاريخ تصويره أو مكانه غير صحيح، وقد تكون الوثيقة أصلية لكن أجزاء منها حُذفت، وقد تكون الحادثة قد وقعت بالفعل، لكنها تُعمّم على جماعة دينية أو عرقية كاملة. وعليه، فإن السؤال النقدي لا ينبغي أن يكون فقط “هل هذه المعلومة صحيحة؟”، بل أيضاً “هل قُدّمت في سياقها الصحيح؟ وما الذي حُذف منها؟ ومن يستفيد من هذا التفسير؟”
لماذا ينجح التضليل الإعلامي؟
لا ينجح التضليل الإعلامي بالضرورة بسبب سذاجة الجمهور أو نقص تعليمه، بل لأنه يستثمر آليات نفسية واجتماعية موجودة لدى البشر. فالأفراد يميلون إلى قبول المعلومات التي تنسجم مع معتقداتهم السابقة، وهي ظاهرة تعرف بـ”التحيز التأكيدي”. كذلك فإن المعلومات المرتبطة بالهوية الدينية أو القومية أو السياسية تكتسب قوة خاصة، لأن التشكيك فيها قد يُفهم تهديداً للجماعة ذاتها.
ويعتمد التضليل أيضاً على استثارة المشاعر القوية، مثل الخوف والغضب والشعور بالإهانة أو التهديد. فالمحتوى المثير للانفعال يدفع المستخدم إلى التفاعل والمشاركة قبل التحقق. وتزيد خوارزميات شبكات التواصل المشكلة تعقيداً، لأنها تكافئ المحتوى الذي يحقق تفاعلاً مرتفعاً، بصرف النظر عن دقته. وبهذا تتحول العلاقة بين المعلومات والسلوك إلى سلسلة مترابطة تبدأ بالمعلومة، ثم تكوين التصور، فإثارة المشاعر، ثم توجيه السلوك الفردي أو الجماعي، وصولاً إلى نتائج سياسية وأمنية ملموسة.
دروس من التجارب الدولية
توضح تجربة العراق بعد تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء في 22 شباط/فبراير 2006 قدرة الشائعات والاتهامات غير المثبتة على تأجيج العنف. فقد وقع التفجير في سياقٍ سياسيٍ وأمنيٍ شديد الاستقطاب، وانتشرت سريعاً اتهامات طائفية قبل اكتمال التحقيقات. وأسهمت هذه البيئة في اندلاع موجة واسعة من الهجمات الانتقامية، وتصاعد العنف ضد المكوّن السني أساساً بعد اتهام جماعات سنية بالوقوف وراء التفجير دون توفر أدلة موثوقة تدعم هذه الادعاءات. وفي هذه الحالة، لم يكن الحدث العنيف منفصلاً عن الروايات التي أحاطت به؛ إذ حفّزت الشائعاتُ دائرة الانتقام ووسّعتها.
وتقدم الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 نموذجاً أكثر خطورة. فقد أسهمت إذاعة “راديو وتلفزيون ميل كولين الحرة” في نشر خطابٍ يصور قبائل التوتسي خطراً وجودياً على عرقية الهوتو. لم تكتفِ الإذاعة بتقديم آراء سياسية متطرفة، بل كررت روايات تحريضية، وروّجت الخوف، وساهمت في نزع الصفة الإنسانية عن الضحايا، وبالتدريج قدّمت العنفَ فعلاً دفاعياً أو ضرورياً. ويبين هذا المثال أن تكرار الرسائل المضللة باستمرار يمكن أن يجعل من الكراهية المجتمعية ظاهرةً مقبولة، بل ومطلوبة، وأن يحوّل بعض المواطنين من متلقين للدعاية إلى مشاركين في العنف.
وفي سياق ديمقراطي مختلف، أظهر الاستفتاء في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016 قوة الرسالة البسيطة. فقد تبنت حملة الخروج شعاراً يفيد بأن المملكة المتحدة ترسل 350 مليون جنيه إسترليني أسبوعياً إلى الاتحاد الأوروبي، واقترحت توجيه المبلغ بدلاً من ذلك إلى هيئة الخدمات الصحية الوطنية. ومع الاعتراضات الواسعة على طريقة احتساب الرقم، بقي الشعار واحداً من أكثر رسائل الحملة حضوراً في الذاكرة العامة. تكشف هذه الحالة أن الرسائل الموجزة والمشحونة سياسياً قد تتفوق في تأثيرها على التفسيرات الدقيقة والمعقدة، وأن تصحيح الادعاء بعد انتشاره لا يضمن إزالة أثره.
أما في ميانمار، فقد أدت شبكات التواصل، ولا سيما فيسبوك، دوراً في انتشار روايات تعادي مسلمي الروهينجا. وشملت هذه الروايات ادعاءات عن مخططات مزعومة لمهاجمة البوذيين، ومحتوى يحرض على الكراهية ويصور الروهينجا تهديداً ديموغرافياً وأمنياً. وقد ساهمت البيئة الرقمية في توسيع انتشار هذه الخطابات، بالتزامن مع أعمال عنف ونزوح جماعي واسع. وأقرت شركة فيسبوك لاحقاً بأن منصتها لم تفعل ما يكفي لمنع استخدامها في التحريض على الانقسام والعنف.
كذلك أظهرت جائحة كوفيد-19 أن عواقب التضليل لا تقتصر على السياسة. فقد انتشرت عالمياً ادعاءات عن علاجات ووسائل وقاية غير مثبتة. وفي إيران، أدت مزاعم بأن شرب الكحول يمكن أن يحمي من العدوى إلى تناول أشخاص مادة الميثانول السامة، ما تسبب في مئات الوفيات. ويبرهن ذلك على أن المعلومات الكاذبة قد تنتقل من الفضاء الرقمي إلى الجسد مباشرة، وتنتج أضراراً صحية قاتلة.
وفي الحرب الروسية الأوكرانية، ظهر في آذار/مارس 2022 مقطع مفبرك بتقنية التزييف العميق، يصور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وكأنه يدعو جنوده إلى إلقاء السلاح. وعلى ضعف جودة الفيديو وكشف زيفه سريعاً، فإنه مثّل إنذاراً مبكراً بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب. وقد لا يكون الخطر الأكبر في أن يصدق الجميع مقطعاً مزيفاً بعينه، بل في أن تؤدي كثرة المواد المصطنعة إلى تآكل الثقة بالمواد الأصلية أيضاً، بحيث يصبح من السهل وصف أي تسجيل حقيقي بأنه مفبرك.
سوريا بعد سقوط نظام الأسد: الفراغ المعلوماتي وصراع الروايات
دخلت سوريا بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 مرحلة انتقالية اتسمت بتفكك البنى الإعلامية القديمة، وعدم اكتمال مؤسسات الدولة الجديدة، وزيادة الحاجة إلى المعلومات المتعلقة بالأمن والإدارة والاقتصاد والعلاقات بين المكونات. وضمن هذه الظروف، أصبحت قنوات تلغرام وصفحات فيسبوك المجهولة والتسجيلات المتداولة على واتساب مصادر أولية للأخبار لدى السوريين.
برزت خطورة هذا الوضع في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2024، عندما أُعيد تداول مقطع يظهر اعتداءً على مقامٍ علويٍّ في حلب، بما يوحي بأن الواقعة حديثة. وأعلنت وزارة الداخلية أن المقطع يعود إلى حين دخول الفصائل إلى حلب في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، وأن إعادة نشره استُخدمت لإثارة الفتنة الطائفية. لكن المقطع كان قد ساهم بالفعل في إشعال احتجاجات وتوترات في عدد من المناطق. تكشف الحادثة عن أهمية السياق الزمني؛ فالمادة البصرية قد تكون أصلية، لكن تصويرها حدثاً جارياً يحولها إلى أداة تضليل.
وفي أواخر نيسان/أبريل 2025، انتشر تسجيل صوتي يتضمن إساءة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ونُسب إلى رجل دين درزي. انتشر التسجيل قبل التحقق من هوية صاحبه، وأثار احتجاجات واشتباكات مسلحة في جرمانا وأشرفية صحنايا ومناطق أخرى. ونفى رجلُ الدين الدرزي علاقتَه بالتسجيل المنسوب إليه، فيما أعلنت السلطات أن التحقيق لم يثبت صلته بالأشخاص الذين نُسب إليهم. ومع ذلك، سقط عشرات الضحايا وتصاعد الاحتقان الطائفي. توضح هذه الواقعة أن أثر المعلومة لا يتوقف بالضرورة بعد نفيها؛ إذ قد تكون قد نجحت بالفعل في تحريك المشاعر وتعبئة الجماعات وإطلاق دورة من العنف يصعب احتواؤها.
كذلك شهدت المرحلة الانتقالية انتشار ادعاءات متكررة بشأن عمليات الخطف، والاعتداءات الطائفية، والقرارات الحكومية، وتحركات القوات الأمنية. وبعض هذه الادعاءات كان مختلقاً، وبعضها استند إلى حوادث حقيقية أُعيد تفسيرها أو تعميمها. وحتى عندما لا تؤدي الشائعة إلى أحداث أمنية مباشرة، فإن تراكمها يرسخ الشعور بانعدام الأمن، ويضعف الثقة بين المكونات الاجتماعية، ويقوض مصداقية المؤسسات ووسائل الإعلام.
بناء المناعة المجتمعية
لا يمكن مواجهة التضليل بالرقابة وحدها، إذ قد يؤدي حجب المعلومات أو تأخيرها إلى تعميق الشكوك. وتحتاج المجتمعات الانتقالية إلى استراتيجية تقوم على الشفافية، وسرعة إيصال المعلومات، ودعم الصحافة المهنية المستقلة، وتطوير مؤسسات موثوقة للتحقق من الأخبار.
أما فردياً، فيمكن اختصار التعامل المسؤول مع المعلومات في خمس قواعد: التمهل قبل المشاركة، والعودة إلى المصدر الأصلي، والبحث عن الأدلة لا عن الادعاءات، والانتباه إلى المحتوى الذي يستفز المشاعر، والتحقق من الخبر عبر عدة مصادر مستقلة وموثوقة. كما ينبغي فحص تاريخ الصور والمقاطع ومكانها، والتمييز بين الخبر والتعليق، وعدم اعتبار كثرة المشاركات دليلاً على صحة المحتوى.
خاتمة
تكشف التجارب الدولية والحالة السورية أن التضليل الإعلامي ليس ظاهرةً هامشيةً، بل عاملاً قادراً على توجيه السلوك السياسي والاجتماعي، وإشعال العنف، وتعميق الانقسامات، وتقويض الثقة. وتزداد خطورته في مراحل التحول السياسي بسبب هشاشة المؤسسات وشدة الاستقطاب وارتفاع حاجة الجمهور إلى إجابات سريعة.
ومن ثم، فإن نجاح الانتقال السياسي لا يعتمد فقط على بناء المؤسسات وصياغة القوانين، بل على بناء فضاء معلوماتي يسمح للمواطنين باتخاذ مواقفهم استناداً إلى معرفة موثوقة. فأهم مهارة مدنية في العصر الرقمي لم تعد الوصول إلى المعلومات، بل القدرة على تقييمها وفهم سياقها ومقاومة استخدامها للتلاعب بمشاعر الخوف والهوية. ولن يتشكل مستقبل سوريا بفعل من يتولون الحكم وحدهم، بل أيضاً بفعل الجهات التي تؤثر في طريقة فهم السوريين واقعهم وتحولات بلادهم.
المراجع
Allcott, H., & Gentzkow, M. (2017). Social media and fake news in the 2016 election. Journal of Economic Perspectives, 31(2), 211–236. https://doi.org/10.1257/jep.31.2.211
Lippmann, W. (1922). Public Opinion. Harcourt, Brace and Company.
O’Callaghan, D., Prucha, N., Greene, D., Conway, M., Carthy, J., & Cunningham, P. (2014). Online social media in the Syria conflict: Encompassing the extremes and the in-betweens. In Proceedings of the 2014 IEEE/ACM International Conference on Advances in Social Networks Analysis and Mining (pp. 409–416).
Wardle, C., & Derakhshan, H. (2017). Information disorder: Toward an interdisciplinary framework for research and policy making. Council of Europe.
United Nations Human Rights Council. (2018). Report of the Independent International Fact-Finding Mission on Myanmar. United Nations.
تقارير وكالة رويترز ووكالة أسوشيتد برس حول الأحداث الأمنية والاضطراب المعلوماتي في سوريا، كانون الأول/ديسمبر 2024 – أيار/مايو 2025.
رئيس الجمعية الأكاديمية السورية البريطانية
زميل وعضو مجلس إدارة كلية روبن، جامعة أكسفورد
زميل أكاديمية التعليم العالي في المملكة المتحدة